ابن كثير

344

البداية والنهاية

خدمته إلى طريق الحج حين خرج ، ووكل المتوكل الحجابة لوصيف الخادم عوضا عن ايتاخ . وحج بالناس فيها محمد بن داود أمير مكة وهو أمير الحجيج من سنين متقدمة . وفيها توفي أبو خيثمة زهير بن حرب . وسليمان بن داود الشاركوني أحد الحفاظ . وعبد الله بن محمد النفيلي . وأبو ربيع الزهراني ( 1 ) . وعلي بن عبد الله بن جعفر المديني شيخ البخاري في صناعة الحديث . ومحمد بن عبد الله بن نمير ( 2 ) . ومحمد بن أبي بكر المقدمي . والمعافا الرسيعني . ويحيى بن يحيى الليثي راوي الموطأ عن مالك . ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومائتين في جمادى الآخرة منها كان هلاك إيتاخ في السجن ، وذلك أنه رجع من الحج فتلقته هدايا الخليفة ، فلما اقترب يريد دخول سامرا التي فيها المتوكل بعث إليه إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد عن أمر الخليفة يستدعيه إليها ليتلقاه وجوه الناس وبني هاشم ، فدخلها في أبهة عظيمة ، فقبض عليه إسحاق بن إبراهيم وعلى ابنيه مظفر ومنصور وكاتبيه سليمان بن وهب وقدامة بن زياد النصراني فأسلم تحت العقوبة ، وكان هلاك إيتاخ بالعطش ، وذلك أنه أكل أكلا كثيرا بعد جوع شديد ثم استسقى الماء فلم يسق حتى مات ليلة الأربعاء لخمس خلون من جمادى الآخرة منها . ومكث ولداه في السجن مدة خلافة المتوكل ، فلما ولي المنتصر ولد المتوكل أخرجهما . وفي شوال منها قدم بغا سامرا ومعه محمد بن البعيث وأخواه صقر وخالد ، ونائبه العلاء ومعهم من رؤوس أصحابه نحو من مائة وثمانين إنسانا فأدخلوا على الجمال ليراهم الناس ، فلما أوقف ابن البعيث بين يدي المتوكل أمر بضرب عنقه ، فأحضر السيف والنطع فجاء السيافون فوقفوا حوله ، فقال له المتوكل : ويلك ما دعاك إلى ما فعلت ؟ فقال : الشقوة يا أمير المؤمنين ، وأنت الحبل الممدود بين الله وبين خلقه ، وإن لي فيك لظنين أسبقهما إلى قلبي أولاهما بك ، وهو العفو . ثم اندفع يقول بديهة : أبى الناس إلا أنك اليوم قاتلي * إمام الهدى والصفح بالمرء أجمل وهل أنا إلا جبلة من خطيئة * وعفوك من نور النبوة يجبل فإنك خير السابقين إلى العلى * ولا شك أن خير الفعالين تفعل فقال المتوكل : إن معه لأدبا . ثم عفا عنه . ويقال بل شفع فيه المعتز بن المتوكل فشفعه ، ويقال بل أودع في السجن في قيوده فلم يزل فيه حتى هرب بعد ذلك ، وقد قال حين هرب :

--> ( 1 ) وهو سليمان بن داود العتكي ، البصري نزيل بغداد ثقة لم يتكلم فيه أحد بحجة . ( 2 ) أبو عبد الرحمن الهمذاني الكوفي أحد الأئمة جمع العلم والسنة والزهد .